محمد متولي الشعراوي

9114

تفسير الشعراوي

وهذا أيضاً ركْب من ركْب النبوات ، وقد أخذ قصة موسى عليه السلام حَيِّزاً كبيراً من كتاب الله لم تأخذه قصة نبي آخر ، مما دعا الناس إلى التساؤل عن سبب ذلك ، حتى بنو إسرائيل يُفضّلون أنفسهم على الناس بأنهم أكثر الأمم أنبياءً ، وهذا من غبائهم ؛ لأن هذه تُحسَب عليهم لا لهم ، فكثرة الأنبياء فيهم دليل على عنادهم وغطرستهم مع أنبيائهم . فما من أمة حيَّرتْ الأنبياء ، وآذتْهم كبني إسرائيل ؛ لذلك كَثُرَ أنبياؤهم ، والأنبياء أطباء القِيَم وأُسَاة أمراضها ، فكثرتهم دليل تقشِّي المرض ، وأنه أصبح مرضاً عُضَالاً يحتاج في علاجه لا لطبيب واحد ، بل لفريق من الأطباء . والبعض يظن أن قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ ، كما نقول نحن ونقصُّ : كان يا ما كان حدث كذا وكذا ، ولو كانت قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ لجاءتْ مرة واحدة . لكنها ليست كذلك ؛ لأن الحكمة من قَصَّها على رسول الله كما قال تعالى : { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [ هود : 120 ] . إذن : فالهدف من هذا القَصَص تثبيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في دعوته لقومه ؛ لأنه سيتعرض لمواقف وشدائد كثيرة يحتاج فيها إلى تثبيت ومواساة وتسلية ، فكلما جَدَّ بينه وبين قومه أمر قال له ربه : اذكر موسى حين فعل كذا وكذا ، وأنت خاتم الرسل ، وأنت التاج بينهم ، فلا بُدَّ لك أنْ تتحمَّل وتصبر . أما لو نزلت مثل هذه القصة مرة واحدة لكان التثبيت بها مرة واحدة ، وما أكثر الأحداث التي تحتاج إلى تثبيت في حياة الدعوة .